ابن عربي
32
فصوص الحكم
فا لله منزه بمعنى أنه إذا نظر إليه من ناحية ذاته فهو يتعالى عن كل وصف وكل حد وتقييد . وهو بهذا المعنى غني عن العالمين يحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء ولا عِلْم ، سار في كل موجود غير متعين في موجود دون آخر . فلا يصدق عليه وصف إلا الإطلاق ، وفي الإطلاق تنزيهه . ولكن الله من ناحية أخرى مشبه ، وذلك إذا نظرنا إليه من حيث تعينات ذاته في صور الوجود . فهو يسمع ويبصر مثلًا - لا بمعنى أن سمعه وبصره يشبهان سمع المخلوقات وبصرهم ، بل بمعنى أنه متجل في صورة كل من يسمع وما يسمع ، وكل من يبصر وما يبصر ، أو أنه جوهر كل ما يسمع ويبصر . وهذا تفسير للتنزيه والتشبيه يخرجهما لا شك عن معناهما الأصلي ، ولكنه تفسير لا غنى عنه - لابن عربي - في تكوين فلسفته العامة في طبيعة الوجود . هذا التفسير هو أساس قوله بأن الحقيقة وحدة وكثرة ، ظاهرة وباطنة ، وحق وخلق ، ورب وعبد ، وأنها قديمة وحادثة ، وخالقة ومخلوقة إلى غير ذلك من المتناقضات التي لا يكل قلمه عن ترديدها . والتنزيه والتشبيه بهذا المعنى متضايفان متكاملان لا يقوم أحدهما بدون الآخر . هذا إذا قلنا بثنوية الصفات : حق وخلق ، إله وعالم ، وحدة وكثرة . أما إذا وقفنا عند الوحدة الوجودية فقط ، فليس هنالك ما يقال ! . وهذا ما يدفع بنا إلى ذكر نوع آخر من التنزيه تكلم عنه ابن عربي ، وهو التنزيه الذي تتصف به الذات الإلهية في ذاتها ، بعيدة عن كل تعين ، مجردة عن كل نسبة إلى الوجود الخارجي . ولكن هذا التنزيه - ويظهر أنه يشير به إلى التنزيه المطلق الذي أشرنا إليه - لا يدركه عقل ، ولا يمكن أن يدركه عقل ، بل إن مجرد إدراك العقل له تحديد ، وهو فوق كل تحديد . ولهذا قال : « اعلم أيدك الله بروح منه أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد » . وليس هذا التنزيه الذي يشير إليه إلا التنزيه المطلق . لأن التنزيه حكم ، والحكم تقييد وتحديد للمحكوم عليه . وغاية المنزِّه أن يقول إن الله تعالى